(لا برجَ واحداً للفضِيلة)
سأتحدّثُ غاضباً مع قلبي،
أنا مِن طلاوةٍ تلهو بها الريح.
الحكيم يؤسّس على الصخر،
وأنا الأحمق النهريّ لا تبقى مياهي تحت سماء.
أنزلقُ من دون هدف زورقاً من دون بحّار،
مثل الطيور التي تنزلق على مدارجِ الهواء،
لا قيد يمسكني، أبحثُ عن الذين يشبهوني،
أجدني بين أشرار.
وقارُ القلبِ النبيلِ صعب،
المرَحُ أحبّ عندي من العسل،
تنفيذ أوامر "فينوس" عمل يسير،
لا تسكن "فينوسُ" في قلوبٍ وضيعة.
أمشي في الطريق العريض
شابّاً يرتكب الذنوب، لا أفكِّر بالفضائل،
طمّاع لذّة أكثر منّي طمّاع خلاص
وروحي ميْت فيما أترفّق بجِلْدِي.
أيّها الأسقف الحكيم أرجو أن تتسامح معي،
لا أريد موتاً مريحاً، الموت المريح يقتلُني،
أريدُ موتاً قاسياً، قلبي يُسيئ للفتيات الجميلات،
أعاشرهنّ بقلبي
أولئك اللواتي لا أستطيع أن أعاشرهنّ بجسدي.
التغلّب على الشهوةِ الطبيعيّة صعب،
والأصعب أن تظلّ في آن مشاعرنا نقيّة،
نحن الشباب، عندما ننظر إلى الصبايا،
يشقّ علينا التقيّد بالتعاليم الصارمة
وأن نترك الأجسامَ اللدنة ولا نكترث.
من ذا الذي يقف في النار ولا يحترق،
من ذا الذي يقدر أن يظلّ طاهراً إذا هو يعيش في مدينة "بافيا"؟.
"فينوس" صيّادة الفتيان بإصبعِها تغريهم بنظرة للوقوع في حبائلها
ويُحيلهم وجهُها إلى طرائد.
إذا أتيتَ بالحصان هذا اليوم إلى مدينة "بافيا" لن يكون في الغد حصان.
الدروب كلُّها إلى مخدع "فينوس".
كلُّ هذه الأبراج ولا برج واحداً للفضيلة؟.
يُبعِدونَ المرآةَ عن وجهي،
أتبخّرُ إذا سمحتِ لي أن أداعب الجسد العاري
على رغم الصقيع في الخارج
وأجترح أعجب القصائد والأناشيد.
مكاني المفضّل هو الحانة،
لم أرفض الحانة بالأمس ولن أرفضها غداً
إلاّ عندما أرى الملائكة مقبلين مترنّمين للموتى
بنشيدِ الموت: "استرحْ، استرحْ بسلام".
الأشهى أن أموت في حانة
لكي، وأنا ميت، يكون قريباً من النبيذ فمي.
الملائكةُ تغنّي بكلِّ فرح: يا ربّ إرحم شاربي الخمر.
مِن كأس نبيذ يسطع نورُ العقل،
يحلِّقُ القلبُ بمقدار ما يتذوّق النبيذ في الحانة.
نبيذ الحامة أعذب من نبيذ الأسقف المخلوطِ بالماء.
الشعراء يتجنّبون الأماكن المكتظّة،
يُفضِّلون العزلة، يُرهقون أنفسَهم، يقهرون ذواتهم،
يعملون كثيراً، يسهرون الليالي،
وفي آخرِ المطاف
لا قدرة لهم على إنجاز ما هو حقيقي ونبيل.
يصومون، يعذّبون أنفسَهم،
يبتعدون عن مهاترات الشعب وفوضى الأسواق،
يموتون جماعةُ الشعراء من عناءٍ تحت نيرِ العمل.
كلُّ شخص تهبُهُ الطبيعةُ هبةً مخصوصة،
وهبتني ألاّ أقدر، وأنا صاحٍ، أن أكتب،
أيّ فتى سيتفوّق عليّ وأنا صاحٍ،
إنّي أكرهُ الظمأ والجوع بمقدار ما أكرهُ الموت.
كلُّ شخص تهبُهُ الطبيعةُ هبةً مخصوصة،
وهبتني أن أكتبَ الشِعر فيما أشرب النبيذ الجيِّد،
أُفرِغ ما في براميلِ صاحبِ الحانة،
النبيذُ يهبُ الكلمات امتلاءً تامّاً.
قصائدي من نوع النبيذ الذي أشرب،
لا أقدر على عمل شيء إلاّ إذا كنت قد أكلت وشربت،
لا قيمة البتّة لأشعاري صاحياً،
بعد أن أشرب أتفوّق على "أوفيد" بالشِعر.
عقلُ الشِعر لن أُمنحْهُ إذا لم يكن شبعاناً بطني،
فقط عندما أكون شبعاناً يأتي إليّ "فوبوس"
صادحاً بأشياء عجيبة.
أنا متّهم بخيانة مساوئي
التي يتّهمُني بها خدّامكَ يا ربّ
الذين ولا واحد منهم يتّهم ذاته،
إنّهم كذلك يمرحون ويطلبونَ متعَ الحياة.
بحضور موجِّهي الروحي
وبالإستناد إلى أحكام الناموس الربّاني
الذي يقذفُني بحجر
لا رأفة بالشاعر الذي قلبه لم يعرف خطيئة.
نطقتُ بما يُدينُني،
بكلِّ ما أعرف عن نفسي،
تقيّأتُ السمّ الذي احتملتُه من زمان،
مللتُ حياتي القديمة،
يُغريني الجديد، يُغريني التبدُّل،
الجديد والتبدُّل يقولان لي: الوجه يراه الإنسان،
القلب لا يفتح إلاّ لله.
صرتُ أحبّ الفضائل
وصرتُ أكره المعاصي،
عقلي يولد من جديد بقلبٍ جديد،
ومثل رضيع أتغذّى من جديد على الحليب
كي لا يبقى قلبي يأسره الغرور.
أيّها الأسقف المصطفى من "كولن"
لا تعاقبْ من يندم،
إجعلْ رحمتَك على من يرجو المغفِرة،
لا تعاقبْ من يعترف بالذنب.
أيّها الأسقف المصطفى من "كولن"
إنّي أتقبّل راضياً جميعَ أوامرِك.
وإذا انتفى الرفق
فالأمر سيكون شديد المرارة.
ـ "أوراق من مجموعة كارمينا بورانا - أغاني بويرن - لاتينيّة - القرن الثالث عشر. مواضيعها تتنوّع بين الحبّ وأغاني السكارى والدّين والحكمة والعاطفة الماجنة، جميعها ترجمها الشاعر الألماني يوهان أندرياس شميلر، وطبعها في سنة 1847، ولحّنها الموسيقي كارل أورف في عام 1937 – وترجمها إلى العربيّة د. شاكر مطلق، مع مساهمات من شخصي، ومنها ترتيب الأسطر والمقاطع ومقاربات وصياغات، وقد عثرتُ عليها أخيراً في صندوق مهمل في زاوية معتمة كأنّها تريد أن ترى النور أيضاً".
_ صدرت سنة 2022 عن دار الشنفرى ـ تونس مع مجموعتين من أعمالي: "على طريق بعيد" و"حصار الدائرة" تحت عنوان "لا غيرك أوّل الغيث".
**
(على طرِيقٍ بَعِيد)
\\
ـ إلى الشهيدين حسين حمدان وعبدالله سليم
وإلى جميع الذين استشهدوا من أجل وطن حقيقي.
\\
(إنّهم جميعنا)
وطني، إنّهم يتردّدون عليك في اللّيالي المعتمة،
لكي ينهبوا من لحمِك ودمك، لكي يستلُّوا من عينيك عناصر الضياء،
ليصنعوا لهم أثواباً تنكّريّة.
إنّهم يقطّعون أطرافك لأسواقِ النخاسةِ،
يبكونَ مكراً تفضحُه دولتُهم الدمويّة ومقابرهم الجماعيّة.
إنّهم أولئك الذين على رؤوسِهم "هُبَل" بوجوهه الكثيرة،
وكلّها مُذِلّة، ساخرة من دموعِ الحفاة.
إنّهم الذين فوق رؤوسِهم صاحبُ الألواحِ المسروقة،
تحرسُه البنادقُ في مدينةِ السلام المفترَضة.
أولئك الذين فوق رؤوسِهم مَن رأسُه أعلى من النجوم،
لكي يطفئَ النجومَ في زنازين القهر وبأعقابِ البنادق.
بيّاعُ الأعراضِ الأكبر، الخفي والمنظور في آن،
له جوازاتُ سفرٍ لا تحصى، وفي جيوبِه قلوبٌ مسحوقة،
عيونٌ مسلومة، دفاترُ حسابات وحوالات بنكيّة.
وطني، إنّهم نحن جميعنا،
المصفِّقون، علفُ الموتِ بالمجّان، والغافلون عند المذبحة.
(آدمُ السماء وآدمُ الأرض)
أنا مَن فقدَ نعمةَ الدهشة والأشياءُ تُستعاد،
لم تعد ذكرى معَ أوّل تفتّحِ زهرة، معَ أوّلِ هبوبِ نسيم أو تساقطِ غيث،
وأجزمُ، وهذا ما يُحزنُني، ليس لأنّ الأشياء ظلّلَها النسيان وصارت باهتة،
لكن لأنّي كالآلهةِ صرتُ أعرفُ، صرتُ أكره،
وصرتُ آدمَ الأرضِ،
فاندهشْ، يا صديقي، انتشلْ سؤالاً، ارسمْه على وجهِك،
لأنّكَ أوّل عهدِكَ بالساقطين، أوّل عهدكَ بكيدِهم،
ولأنّكَ آدم السماء وأنا آدم الأرض.
هل أتاك حديثُ الأنياب تمزّق في كفِّك الكبيرة؟،
هل أتاك حديثُ القرصان يحسُّ العافيةَ في سحنتِه المتحفِّزة لإقتناصِ الفرص؟،
هل أتاك حديثُ من لا قرارَ لأطماعِهم ويرغبون بدفنِ الشمس في دورِهم الكبيرة؟،
هل أتاك حديثُ اللات تخرُّ لها حتى ذقنِك لتغفرَ لك وهُبَل تشتعلُ جمرتا عينيه
ثمّ تبتردان بماءِ الخوفِ من جبينِك حتى يرضى؟.
سرُّ الدهشةِ ماتَ في عينيّ ولكن حسبي أنّ العالم يتغيّر.
(بئس أمّة)
عندما تقفُ عاجزاً دون قُدْرةٍ على فِعْلِ شيئ يتثاءبُ في داخلكَ رَحمٌ عاقر
وتشعرُ أنّ الأيّامَ يرفعُها سيّاف،
تقتحمُكَ الدقائقُ والثواني مثل آلاف الإبر تنخرُ عظامَ جسمِك المُتعَبِ
من هولِ الصمتِ والعجزِ وقِصَرِ اليد،
وستعرف أنّكَ عند أعتاب زمن مُتكرِّر، مُظلم، نازل من منخريّ متشعوذ،
وأنّكَ مُحاصَر بصحراء تدعوكَ كثبانُها إلى التضاؤلِ والغرق.
وحدها الأنياب، وهي في الشوارع، تتربّصُ بذي الضميرِ الحيّ،
بالذين كانوا عندما كان للكلمةِ معنى وللعقلِ تقديرٌ واحترام،
وحدها الأنياب لها حقّ السيادة،
تتقّنُ فنَّ طأطأةِ الرأسِ والتمسّحِ بأذيالِ الأقوياءِ وتقبيلِ الأيدي واللِحى
والسيرِ في مواكبِ الأذلّاء.
في الزمنِ الذي تغيبُ معالمُه
يتلبّسُ عفنَ عصورِ القهرِ والخنوع،
تستلبُه أرواحُ المقابرِ الدارسة ومتاحفُ التاريخ،
لا مكانَ للإنسان كقيمة ولا إجتماع ولا تطوّر ولا حضارة ولا إرادة،
ويقبعُ العقلُ صامتاً في زاوية، وتُنحَرُ كلّ المفاهيم
التي تحاولُ مُلكاً في عالمِ الرؤيا، ماضياً، حاضراً ومستقبلاً،
تؤسّسُ لغدٍ أفضل لا قضبان فيه، لا سيّافين أو جلاوزة،
ويصيرُ العقلُ عنوان شقاء يتبعُه الغاوون والكفّارُ بنعمةِ الصمت،
ويصيرُ آفّةً يقتربُ منها من هو بلا عقل،
والعاقلُ هو فقط الذي يحملُ صكَّ براءته من أيِّ منطق،
من أيِّ واقع، وأيِّ معرفة،
ويمشي مثل الساهمة إلى لا حول ولا قوّة إلاّ بالسحرة
والمشعوذين ومن فيهم مسّ والسلاطين
ومن لا يرون العالمَ يتنفّس إلاّ من خياشيمهم ولا يرى إلاّ بعيونِهم الجشِعة.
من أين للجهلِ هذا الحضور الذرّي؟،
من أين للقهرِ هذه القدرة على كمِّ الأفواه وافتراضِ ما لا يُفترض
ومقارعةِ كلِّ جديد مهما كان مقنِعاً وضروريّاً؟،
من أين للظلاميّةِ بُدعةُ الكياسةِ لاختراقِ الكلمةِ وتفجيرِها من الداخلِ ودوسِها بالأقدام؟،
من أين لها قوّةُ التنفّسِ مع مساماتِ جلودِنا والسكن في عيوننا
وسملها ومسخنا قروداً ووحوشاً تحتكرُ مزيّةَ التدميرِ والقتلِ والإبادةِ المنظّمة؟.
كذلك هو معظمُ تاريخِنا الذي مضى،
كذلك هو حاضرُنا الذي أفردَ عقلَه كبعيرٍ أجرب،
وصدقَ الألماني العظيم بريخت حين قال:
"بئس أمّة ليس فيها أبطال".
(لا غيرك)
وطني، من أيّ الأبوابِ المخلّعةِ ندخلُ إليك؟،
من أيّ الجراحِ المشرّعةِ على العاصفة؟.
رِفقاً ولا تنكسرْ، لعينيكَ لون البحر فلا تنحسرْ،
لكفّكَ المثلوم عبقُ التربة في الحقولِ البعيدة.
لا ترحلْ في تيهِ الزمنِ الموحِل،
لا ترحلْ في عقوقِ المدنِ المزيّفة،
الجوعى يأوون إلى خبزِ يديك.
نتوحّدُ فيك على شفا حدِّ السيف،
نتوحّدُ فيك على إسم الروحِ، على إسمِ الماءِ.
أنتَ الأملُ الضائعُ في شعابِ العالَم،
لا غيرك أوّل الغيث،
لا غيرك أوّل الغيث، لا غيرك.
(زمنُ اللامعقول)
العقلُ يغيب، وحين نتوسّمُ عودتَه يُمدِّد، فتطولُ إجازتُه وتطول.
القيودُ من بدعِ القبائل، من بدعِ الطوائف والمذاهب التي تضغطُ في هجيرِ الصحراءِ لسنواتٍ ليس فيها إلاّ رمال وثعابين تنتصب كأنّها قَشّ خلاص
يتوهّمُهُ الطيرُ المتعَب.
هذه الحربُ ينهشُ فيها الفقراءُ الفقراءَ، من ذا الذي شرّع ويشرِّع للحروبِ بين الفقراء؟، هي إمعانُ المشرّدين في التشرّد، مَن زيّن للمشرّدين دروبَ التشرّد؟.
عجائب في زمنِ العجائب، في زمنِ إغتيالِ العقل وتَقاتُلِ الجياع في حضرةِ البطونِ الممتلئة وأسودِ منابرِ الجماجم.
لا يهمُّ مَن تكون الضحيّة، لا يهمُّ عددُ الضحايا، لا يهمُّ عددُ العيون التي ستدمع، لا يهمّ عددُ الأمّهات اللواتي سيتّشحن بالسواد ما دمنا اعتدنا الساديّةَ فينا.
لصديقي المُهان: عدوّك هو الجاثمُ على القلب.
أيّها المشرّد تعلّمْ، لا تُطعن من الخلف مرّتين، إحفظْ وجوه أعدائك الحقيقيين.
متى نعقل؟، متى نتعلّم؟، ومتى نقدحُ العقلَ في الزمن اللامعقول؟.
(ذئاب)
لإولئك الذين يستشعرون تخمةً خصائص منطبعة في عيونٍ جاحظة رعباً من أمسٍ قريب تنعكسُ على صفحات وجوهِهم تأريخاً لأرقٍ لازمَهم تحيّناً لفرصةٍ مثل القططِ الوحشيّةِ تخلّصاً مِن سوءِ الطالع، ومن خصائصهم الشكُّ بكلِّ ما يحيطُ بهم وبكلِّ القيمِ النبيلةِ التي يعتبرونَها ملازمة للعاجزين، ولذلك هم في مجتمعٍ ـ غابة، يُحاكون تجربةً عاشوها مع حديثي نعمة من أمثالِهم نشبوا أظافرَهم في وجوه الناس، اندسّوا بينهم يوسعونهم عضّاً، وأعذارُهم فلسفتُهم التي ورثوها: "القويُّ يأكلُ الضعيف"، "لا تُؤخذُ الدنيا إلاّ غلابا"، "مَن لا يطأ يُوطأ"، "مَن لا يظلم فلِعِلَّةٍ" و"إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب".
ما أقبح وجوههم المعفّرةِ بالوحل أولئك الذين تلمعُ عيونُهم لإكتشافِ الخِسّةِ في أنفسِهم الوضيعة.
(القطط السمان)
عندما دولةٌ متحضّرةٌ تفترض أنّ هيبتَها تكمنُ في قدرتِها على فرضِ قوانينِها وسواسية دون تفرقة بين زيد وبين عمْر نجدُ أنّ الدولة المتخلّفة ترى العكس، ترى أنّ الحضارةَ أو المدنيّة هي في خضوعِ الشعب لأبناءِ "الذوات"، زيدٌ غير عمْر، فكيف المساواة بين سيّدٍ وعبد؟. وبالقياسِ، فأحرى أن تسري القوانين على قومٍ دون غيرهم، أن تطالَ بسيفِها أبناءَ الطبقاتِ الشعبيّة إذا تجاوزتْ سرّاً أو جهراً، وأن تكون برداً وسلاماً على "البهاوات" ـ "أصحابِ العرقِ الطاهر"، لهذا يَقولُ القضاءُ بالموتِ شنقاً، تأكيداً لهيبةِ الدولةِ _ السلطةِ، أمّا القطط السمان فإنّها لها من نفوذِها المؤيَّد قدرة سحريّة لتبرئةِ ساحاتِها وفي أسوأ حال عليها أن تدفع الديّة وكفى اللهُ المجرمين "شرَّ" العدالة.
نشير هنا إلى المواطِنة سميحة عبد الحميد التي ارتكبتْ جريمةَ قتلِ زوجِها، ومِن قدرِها السيئ أيضاً أن يُحكم عليها بالموتِ "شنقاً" لأنّها من أبناءِ الشعبِ وليست من ذوي النفوذِ أو الجاهِ أو السطوة.
ولا رثاءَ ها هنا للقاتلة سميحة عبد الحميد التي ربّما تُقاصَص بقوانين بلادِها، لكن لماذا يصدرُ حكمٌ بإعدامِها ولا يصدرُ حكمٌ بإعدامِ مقاولين ومهندسين فاسدين تسبّبوا بسقوطِ أبنية على رؤوسِ ساكنيها بمجازر جماعيّة؟، لماذا لا تكون أحكام بالموت على مَن يسمّمون الناس بالأطعمةِ الفاسدة من كلّ نوع؟، لماذا لا يصدرُ حكمٌ بإعدامِ الذين يدفعون ملايين الناس إلى مطاحن الجوعِ، الجهلِ والأمراض؟، لماذا يتجاهلُ القضاءُ جرائمَ الذين يجرّحون كرامةَ أُمَّة، الذين يقتلون روحَها تحت عينِ الشمس يوميّاً؟، أم حقّاً صدقَ الشاعرُ حين قال: "قتْلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتَفَر وقتْلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر"؟.
سميحة عبد الحميد، ولأنّها غير محظوظة، ولأنّها مواطِنة عاديّة، يطالُها القانون، لكن متى سيطال المحظوظين أصحاب السعادة، الرئاسة، الكياسة، السموِّ أو السيادة؟.
(جنوب إفريقيا ولبنان)
تابو ندامينا، سائقُ التاكسي _ من جنوب إفريقيا _ قالَ إنّ العار هو أن يكون لونُك "أسود" في بلد تحكمه العنصريّة البيضاء، وسيعني ذلك أن لا تدخل مطعماً محترماً يرتاده شخص "أبيض"، أن لا تدخل سينما أو مقهى يرتادُهما شخص "أبِيض"، أن تُعتصَر في المصانع إلى آخرِ قطرة، وإذا جاءَ المساءُ فبالكاد ستتعرّف عليكَ زوجتُك، لأنّكَ ستكون من الإعياء أقرب إلى الموتى منك إلى الأحياء.
ونحن معاشر داحس والغبراء أو عبس وذبيان لبنان مهما قالَ ندامينا ليس لنا إلاّ أن نتحسَّر، وذلك ببساطة لرحمةِ حالِه قياساً بقسوةِ حالنا، لرحابةِ زنزانتِه قياساً بوحشيّةِ غاباتنا، أين هول عذابه من هَوْلِ عذاباتِنا؟.
مهما بلغَ السوءُ في جنوبِ إفريقيا هناك خطٌّ واضح يفصلُ بين إثنين، نحن عندنا في لبنان 17 خطّاً تماماً بعددِ الطوائف، وما أسرع أن تنبثقَ خطوط تفصلُ بين أبناءِ كلِّ طائفة على حِدَة وبين أبناء كلّ حزب على حِدة.
البلادُ التي يُذكرُ فيها اللهُ كثيراً ويُقال: "يا أبانا الذي في السماء" عوض: "يا أيّها الأب الذي في السماء"، تقديراً أنّ "أبانا" هو "أب البيض" دون "السود"، يُهان الإنسانُ بسببٍ من سوادِ لونِه، أمّا في بلادِنا، في بلادِ الإشعاعِ الطائفيّ _ الذرّي، موتاً تموت لأنّكَ مسلم، لأنّكَ مسيحي، لأنّك فقير، ولأنّك ما شئت.
في "جوهانزبرغ" قضيّة يناضلُ من أجلها شعب يؤمنُ بالحريّة، أمّا في بيروت "أمّ الشرائع" أو أمّ الفضائح فالموتُ بالمجّان لكي ترضى طائفة أو عائلة أو أي نصّاب.
يا صديقي تابو ندامينا صبراً وانظرْ إلى مصائبنا تهن مصائبك.
(للشفتين اليابستين)
مثل نبيّ رماهُ أهلُه بالجنون ورجموهُ بالحجارة كان صامتاً،
مثل نبيّ جاءَه الوحي وعرفَ أنّها مرارة التجربة كان صابراً،
مثل نبيّ آمنَ برحمةِ السماء ولن تتخلّى عنه كان آملاً.
هكذا عرفتُه، يتذكّرُ كأنّه في زاوية، وجهُه شاحب، يغمرُه الظلام،
تنكسرُ عيناه، يتأوّه، يصبر ويرفعُ يديه من أجلِ قطرةِ ماء للشفتين اليابستين.
كيف تهاوت جموعٌ مثل أوراق في خريف عاصف؟.
(الأرضُ لك)
"للطوائفيين مكانٌ ينامون فيه فأين ننامُ نحن"؟.
ـ منقول.
في يومٍ مضى كنتَ المدى،
كنتَ النهرَ، السواقي، دفءَ التلاقي،
الحبَّ الذي يمّمتْ شطرَه وجوهُ الأحبّة،
الأملَ المرتجى لحياةٍ لا سيّد فيها ولا مسود
ولا مَن ينعقُ باقترابِ الأذى في دنيا المظالم.
هكذا كنتَ، هكذا أنتَ، وهكذا القلبُ أرحب من سماء،
لا يعرفُ معنى لإختلافِ البشر إلاّ أنّهم كلّهم بشر،
ولا يعرفُ معنى للحدود
إلاّ أنّها غير ملزِمة لعالَمٍ أوسع من طموحِ فردٍ أو جماعة.
هكذا كنتَ، وهكذا أنت،
اصبرْ إذا مسّ العالمَ جنونٌ،
إذا ضاقتِ الأحداق وانتشرَ الحقدُ في زمنِ الطوائف،
"اصبرْ إذا رجموك لأنّك الشجر مثقَل بالثمر،
اصبرْ لوحشةِ الطريق وقلّةِ الزادِ والصديق".
يا مَن كنتَ الحلم أكبر مِن حقدِهم،
يا مَن كنتَ الأمل أقوى مِن ليلِهم،
يا مَن كنتَ الشعلةَ
وكانوا العناكب والأفاعي وأبناءَ الشياطين،
الأرضُ لك ولن يرثَها المفسدون.
(صبراً)
(إلى شهيد الفكر د. حسين مروّة)
كان شجاعاً وكانوا جبناء،
كان حرّاً وكانوا أذلاّء، كان ابنَ المدينةِ وكانوا مزيَّفين،
كان عنوان ثقافتِنا وتاريخَ أسمائنا فقتلوه.
عبيدُ الذهب، بطانةُ السلطان، يتخفّون لصوصاً،
أفزعََ أبناءَ الأفاعي أن تفضحَهم عيناهُ الجريئتان فقتلوه.
كتبَ بحبرِ القلب عن ثورةِ الزنج،
هدهدتْه أحلامُ القرامطة، أحلامُ الفلاّحين الفقراء،
ونذرَ عمرَه للوطنِ الآتي على مهرٍ أبيض فقتلوه.
أيّتها المدينة التي ودّعتْ قلبَها حين افتقدتْ روحَه،
التي خسرتْ أجمل عينيها عندما غدرَ به الظلاميّون،
أيّتها المدينةُ التي يدنّسُ الطوائفيّون أطرافَ ثوبِها بأحقادِهم
تجمّلي وقولي صبراً حتى مطلعِ الفجر.
(ليلٌ وذئاب)
الكتابةُ عن شهداءِ الخبزِ والكلمة دموعٌ تنهمر على الرجالِ الرجال من مآقٍ قيّحَها الأملُ بإشتعالِ غياضِ الورد في جنائن الغد.
الحزنُ العملاقُ الذي تطلقُه أمٌّ غدتْ أمّةً مكلومةً منذ قدومِ أوّلِ مستعمرٍ قذفتْهُ رياحُ الجشعِ إلى آخرِ مسخٍ ظلاميّ ورثَ كلَّ حقاراتِ أنظمةِ الذلّ وصارَ مثالاً لانحطاطِ مرحلةٍ بكاملها تجتاحُ بلاداً لا تبعثها إلاّ ثورة تعيد للمرجِ خضرته وللزيتون غصنَه الأخضر ومعانيه.
إستشهادُ المفكّر مهدي عامل تأكيد أنّ أعداءَ العِلمِ والإنفتاحِ الإنسانيّ يُبعثون مومياءات من قبور ليعيدوا تشكيلَ العالم على هيئاتهم، يتقدّمون كأصنامٍ حجريّة تحطّمُ كلَّ شيئ ليس فيه من صقيعها الأزلي، تدوس كلَّ شيئ ليس فيه من ظلامِها وقسوتها، ليس فيه من عفنِها الذي أودعه التاريخُ مزابلَه منذ أزمنة.
ما معنى إغتيال مفكِّرٍ التزمَ جانبَ الواقعيّة والجدليّة في المعرفةِ ودراسةِ التاريخ؟، ما معنى اغتيال مفكِّرٍ انتصرَ للعقلِ؟، ما معنى اغتيال مفكِّرٍ نذرَ عمرَه لأمّةٍ ناشدها النهوض؟، ما معنى اغتيال مفكّرٍ عرفَ الظلمَ من عيني الفقير قبلَ أن يعرفه مِن بطونِ الكتب؟، ما معنى اغتيال مفكّر رفضَ أن يسايرَ حالةً عنوانها إجرام، ليل وذئاب، وأصرَّ على فطرتِه وحبِّه الأوّل، على عشقِه للأرض، للوطن والإنسان؟، ما معنى أن تُذبح الثقافةُ في كربلاءِ القرن العشرين؟.
حقدُهم يصيبُ وجه المدينة، يطالُ ظلامُهم صفاءَ عينيها، فهل ستكون صيحةُ غضب؟.
(حنظلة)
أقدمتْ قوى الجهالةِ بعد اغتيال المفكّر حسين مروّة والمفكّر حسن حمدان ـ مهدي عامل على ارتكابِ جريمة بإطلاقِ النار من كاتم صوت على رسّامِ الكاريكاتور الأشهر في العالم العربي ناجي العلي، أصابتْهُ في لندن ـ بريطانيا ـ شهيداً، تاركاً ذكرى مناضل أحبَّ الحياة فاستكثروا عليه إنساناً يحبّ، استنصر للضعفاء فاغتاظوا وتجرّأ على الجاهلين فقتلوه.
ناجي العلي، "حنظلة"، فلسطينيّ حملَ أوزارَ غيره منذ مولده، تربّى في حواري وأزقّةِ مخيّمات لاجئي لبنان، عايشَ رحلةَ الشتات بكلِّ ويلاتِها وأحداثِها الكبرى وعندما تركَ مجبَرَاً دارَ صحيفةِ السفير في بيروت لم يجد أرضاً عربيّةً واحدة تستقبله فتابعَ مكسوراً نحو أرض وعد بلفور التي شهدتْ فيضَ روحه.
أعداءُ الإنسان يصرّون على غيِّهم، تمتدُّ يدُ الظلام لتطفئَ شمعة، ينزفُ جرحٌ وليس من يضمِّدُ جرحاً، ينكسرُ عَلَمٌ، تدمعُ عينٌ، ينتفضُ قلبٌ ويذوي جسد.
(السلام على المعلّم)
الربيعُ ينهضُ فينا كلّما ذكرنا المعلّمَ كمال جنبلاط،
يزدهرُ الحلمُ على عتباتِ الثورةِ والتغيير،
هو المعلِّمُ القدوةُ، حبّةُ القمحِ غاصتْ في التربةِ لتملأَ البيادرَ غلالاً وتهبَ الرضى.
كمال جنبلاط المدرسة، العِلمُ الذي تفتّح في مشاتلِ العزّةِ والكرامة من أجلِ لبنان واحد، سيّد، ديمقراطي، مستقلّ.
ساءَهُ أن يرى المحسوبيّة تنمو مثل غدّة في أنحاءِ جسمِ الدولة،
أن تستعرَّ الرشاوى، أن يقفَ الخرّيجون الجامعيّون عند أبوابِ زعاماتٍ ابتيعتْ بثلاثين فضّة،
أن تُمتهن الكرامة في لبنان _ الوطن،
أن يتطاولَ أضأل الفاشست على الكلمة،
وأيقن أنّ الأوطان يصنعُها الرجالُ الرجال،
أنّ رايةَ الموقف الحقّ يرفعُها الرأيُ الحقّ،
أعلن مثالاً برنامجَاً ممكناً للإصلاح على اعتبار أنّه جسر ممكن إلى وطن لا إلى مزارع طائفيّة أو مذهبيّة تفقّسُ الخوفَ، الغبنَ، الحقدَ المتبادَل.
افتقدنا كمال جنبلاط حين امتدّتْ إليه يدُ الغدر.
وكما في كلِّ 16 آذار نعمل معاً لنحيا بالأمل ولنقرأَ الوصيّة: "لبنان وطن للجميع"، والعقَدُ النفسيّةُ أعجز مِن أن تطالَ الحقيقة.
السلامُ على الرجل الذي حملَ صليبَه وصعد طريق الجلجلة،
السلامُ على الرجل الذي لم يرهبْهُ بطشُ الخصوم،
السلامُ على الرجل الذي أحبَّ ومنعوا حبّه بالرصاص.
(وداعاً بالزغاريد)
المناضلُ عبدالله سليم "أبو جميل" إنتقلَ إلى مثواه الأخير عن ثلاثة وثلاثين عاماً. غيابٌ مبكّر لرمزٍ وطنيٍّ اختزنَ عظيمَ المفاجأة، شدَّ الأصدقاءَ والصديقات إلى عدمِ التصديق. حضروا لإلقاءِ النظرةِ الأخيرة على الرجل الذي ترجّلَ أخيراً عن فرسِه لوداعِه بأكاليل الورد ودموعِ الوفاء.
عبدالله سليم، الفنّان، المثقّف الثوريّ، هاجرَ إلى أستراليا من لبنان قبل سبع عشرة سنة ليبدأَ مشواراً جديداً وفصلاً آخر من معاناة بقلبٍ قُدَّ من جبالِ عاملة، بعزيمةٍ يعرفُها فلاّحو الجنوب اللبناني لتكتسبَ الأرض لونَ الخضرة وتتّخذَ الحياة شكلَها الأجمل.
منذُ وطئتْ قدماه أرضَ أستراليا لاحظَ كثيرون مواهبَ الفتى الشابّ، استبشروا، أنشدَ لهم على عُودِه أغاني الثورة، قرأَ لهم فصولاً من "أجمل الأيّام التي لم تأتِ بعد".
هو أوّلُ من غنّى في سيدني للأجنحةِ: زياد الرحباني، سيّد درويش، الشيخ إمام، مارسيل خليفة، خالد الهبر وغيرهم من أعلام الأغنية الوطنيّة العالية.
كان الثائرَ العاشق، الشعلةَ المنيرةَ لإبادةِ ظلمة أحاطتْ بكثيرين وحجبتْ عنهم رؤيةَ الوطن موحّداً.
كان أبو جميل يردّد عن الظلم وعن العدل: "دولةُ الظلمِ ساعة ودولةَ العدل حقّاً إلى قيامِ الساعة". "زهرةُ الحبِّ أقوى". "عزيمةُ الثوّار أشدّ" من الأنظمةِ الديكتاتوريّةِ المتعفّنةِ في كلِّ بلادِ العرب.
كان يردّد أنّ الذين يضحّون أجسامهم جسوراً إنّما لكي تعبرَ الأجيالُ القادمة إلى وطنٍ حرٍّ وشعبٍ سعيد.
عبدالله سليم، الكادرُ الطليعيّ، العلمانيّ بإمتياز، كان يعرف كيف يشدّ إليه العقولَ المستنيرة، آمنَ بالإنسان أقدس الخلق، نافحَ عنه فقيراً في آسيا، مستغَلاًّ في أميركا اللاتينيّة، مستعبَداً في إفريقيا، فقيراً ومستغَلاً وذليلاً ومستعبَداً ومرميّاً في غياهبِ سجون أوطانِ الضادّ.
آمن أبو جميل بوحدةِ الطبقةِ العاملة العالميّة، آمن بالوحدةِ العربيّة، بالثورةِ الفلسطينيّة، بلبنانَ الواحد السيّد الديمقراطيّ حتى آخر قطرة في كأسِ عمرِه.
ماتَ عبد الله سليم "أبو جميل"، أبحرَ مبكِراً إلى ميناءٍ بعيد.
رحلَ المثقّفُ المقاتل إلى أقصى خلوتِه، وتركنا وحيدين نستذكرُ الشهامةَ، نذرفُ دمعةَ خسران، وتنهضُ في صدورِنا قلوبٌ أكبر.
(هيروشيما)
تسقطُ الدمعةُ الأخيرةُ،
يذوي القلبُ، تنكسرُ الروحُ،
ومن خجلٍ تبحثُ عن ملجأ أخير
في غابةٍ بعيدة.
هيروشيما،
وجهُ أمّي على أشلاءِ الضحايا.
قلْ خصلةُ شعرِها أحترقَتْ من وهْجِ الحضارة
وقفْ دقيقةَ صمت.
قلْ لكفِّ هيروشيما المعرَّقِ
عربون وفاء وتاريخ بناء فأنكروها.
الحزنُ في شوارع هيروشيما،
وشهرُ آب عاماً بعد عام يرتابُ بتمثالِ الحريّة،
ترعبُه الإعلاناتُ الزائفة عن حقوقِ الإنسان.
أيّتها المدينة التي اجتاحتكِ عاصفةُ لهب أنتِ أقوى،
هيروشيما، أنتِ أقوى، و"أجملُ الأيام هي تلك التي لم تأتِ بعد".
(القلوب الخاوية)
لا تحاكِ السرابَ في عيونِ مصّاصي الدماء،
لا تتمسّكْ بحبالِ وعودِهم الكاذبة، يريدونك عشبة أو سمكة.
يا وطني المنفيّ خلفَ أسلاكِ جراحِكَ النازفة،
يا وطني المتسكِّع عند أبواب الجوامعِ أو الكنائس تسألُ رحمة "إيل" كسرةَ خبز،
أيّها المسبيّ في مضارب قبائل الطوائف المتذابحة لا تصدّقْ غيرَ شراعِك ونداءِ الجبال "بإسمِ العمل والأمل".
وطني، لا تصدّقْ غيرَ نسغِ الحياةِ في عروقِكَ الجديدة،
العسَسُ يؤلّفون طريقة لكي يصلوا إلى دمِك، إلى يدِك الشريفة،
الأفاعي ـ حرّاسُ الهيكل القديم يجتمعون تقاسماً للغنيمةِ التي هي أنت،
حذاري يا وطني من نهش الأفاعي، إنّه زمانُ الأفاعي،
إنّه زمان المثقّفين المرائين، والتجّارِ في دورِ العبادة،
جميعهم يصلّون شكراً لئلا تزول النِعم.
حذاري يا وطني أن لا تكون أنت،
موتاً نموت عندما ليس بعدُ غير صفيرِ الريح في القلوبِ الخاوية.
(جسر مانديولاّ)
وصلَ إلى جسرِ "مانديولا"، رأى مثلما في المنامٍ آلافاً من الفلاّحين، تخفقُ فوق رؤوسِهم راياتٌ بلونِ الشفق، تصدحُ حناجرُهم بأناشيد من رحمِ الأرض وعلى جباهِهم خطوط عن الإصلاحِ الزراعي، عن الذين يزرعون ولا يأكلون وحكايات لا تنتهي عن الإقطاعِ والمظالم.
وكان في الجهةِ المضادّة عسكر الطغاة، هيئاتُهم كأنّما خرجوا للتوّ من مختبرات فرانكشتاين، عليها من أثرِ المباضع وفي العيون خواء، أياديهم موتٌ على هيئةِ سواطير وبنادق.
لم يشأ أن يتراجعَ في يوم الإصطفاف الجلي.
الخيرُ كلّه في جهة والشرّ كلّه في جهة.
لم يهن عليه أن يكون دون رجال الفيليبين تصميماً.
لم يهن عليه أن يكون دونهم تعظيماً للحبِّ، للإنسان، للأرض.
لا أبشع من الموت ذليلاً، مستسلماً، ولا أحقّ من الحياة شاهراً قبضةً بوجه مجرم.
\\
وطني،
تظلّلنا سماؤك
ونضلُّ بالحبِّ إليك؟.
\\
ـ "من أوراق نُشِرتْ في جريدةِ البيرق اللبنانيّة ـ العربيّة ـ الأستراليّة عام 1987 تحت عنوان: "نافذة على البحر"، ونُشرت في كتاب صدر عام 1991 تحت عنوان: "على طريق بعيد" ـ دار الثقافة ـ سيدني).
**
(حِصارُ الدائِرة)
(خرافة)
مطارق وصنوج
في احتفالِ الخرافة،
قلقٌ، ألمٌ في العينين، أرقٌ
يحفر عميقاً ليقيم للأبد
بين الحلم والجنون.
(إلى الرقبة)
عالمٌ بلا رصيف،
شاحناتٌ تجتاح المدنَ كالعاصفة،
يقول الرجلُ المفجوءُ بالحديد:
الإسفلتُ يرتفع إلى الرقبة.
(على سرير)
دخّنْ معي سيجارة
أيّها الغريب المتثائب على العمرِ الضائع،
نادمْني كي أنسى هبوبَ الريح
على الأثرِ الضعيف في صحراء،
تعال نمشي معاً الليلة فقط ثمّ إرحلْ،
أنظرْ كم يشبهنا الشجر الذي لا يفقه شيئاً،
كم تشبهنا القطط، كم نحن غير موجودين
مثل الطيور التي كانت هنا هذا الصباح واختفتْ.
معكَ يا صديقي عزاء للعينين المعلّقتين في المرآة،
للأنف المائل، للرأس التي تسنّدها كفٌّ على سرير.
(التابع _
Comprador)
تطفحُ المنافضُ بأعقابِ السجائر،
ينعقد الدخانُ سحابةً كاذبة،
قطارُ كلمات على النيكوتين يخرج من أفواهنا
خِرقاً على خشبات الهزل،
قطار كلمات يجترّ خططَ السلم والحرب
لجماعة الذيل _ Comprador _
يمضي آخر الليل مبحوحا إلى نهدي "جوان كولينز"
واليافطة: "لا شرقيّة ولا غربيّة".
يتعطّلُ القطار إذا استيقظتْ أمّي
ونبّهتْني بعينيها.
(عراة)
قفْ على رأسِ جبل وتعرّ مثل كلّ يوم منذ الإجتياح _ 1982،
القمصانُ ممزّقة، جلدُك يلاطم خجولاً ريحاً، برداً وانتقاماً لا يوصف،
ليس غير حانات الليل تستر المكسور على شفرة سكّين.
إلى أين من يفقد الزمانَ والمكان ويستحيل بالوناً في الهواء؟،
أين يرسي مرساته والبحرُ ابتلع المركبَ والميناء؟.
(في الحديقة العامّة)
لم تكن هناك، قالوا: في حديقة يتفتّحُ وردٌ أزرق
بركةٌ مثل طبق مائي كبير،
النسيمُ لم يداعب صفحةَ وجهه المتناثر على المقاعد،
كان أناس يتنزّهون بين الشجر
وكان يريد أن يقول لكِ أنتِ بعيدة وتأتين من وراء بحر،
بعيدة وتأتين من عين نجمة،
بعيدة وتغزين الذاكرة في حديقة عامّة.
وعندما أسندَ ظهره إلى شجرة بكى،
قبل أن ينهمرَ المطرُ خفيفاً،
قبل أن يبقى وحيداً في الحديقة العامّة.
(هو والشجرة)
ينسدلُ الليل
وغرابٌ عند ذاك الخراب،
وجرذانٌ إلى جذعِ شجرة تنتظر
برقاً ورعداً لا يأتيان.
ينسدلُ الليل
وليس في المدى غير وحيد
ينتظر عاصفةً ومشهداً أخيراً.
(رجْعُ الصدى)
يغلقُ المكانُ بابَه،
تتساقط النوافذُ عن جدران دائريّة.
الصدى رجْع الصدى،
الذي يرفع رأسَه يستغيث،
الذي يتصدّع بالمجهول على سفر،
الذي لا طريق لقدميه لا مدى لعينيه،
لا بحر في العالم الغريق.
يا صديقي أدعوك هذا المساء
إلى مائدتي فوق رمالٍ متحرّكة.
(سْبَا _ Spa)
ماءٌ ساخن على جسد،
وفي الطريق يتساقط عُمْرٌ
مثل غابة "يوكولوبتوس" _ كينا _ تحترق،
للذكريات طعم مالح
على جدران خيبة ترشح إنكساراتٍ،
أحاول التخلّص منها تباعاً على صفحة بحر هائج
في بركة "سْبَا" _ SPA.
لنقلْ شيئاً عن نقطة معلّقة في الهواء،
عن محيط يعوم بأيّ معنى بين اليابسة وحدود السماء،
عن مطر يتساقط مزدحماً على صحراء
ماذا يفعل غير أن يسخر من عطشِ الروح التي تريد ولا تريد؟،
لنسأل جذراً يتنشّق رطوبةً ليستمرّ.
العبثُ هو أن نكشط جلداً في بركة Spa
متّهمَاً بالسؤال عن لونه وخطوطِ البصمات.
(الماء)
عندما يتشابه الناس كأشجار غابة موحشة،
عندما تمرّ الأعياد دون موعد مُسبَق معه،
عندما يألف عينيه في بعيد،
عندما لا يعرف بعدُ كيف يبتسم
وعندما يعيد له توازنه الماء.
(أشياء يوميّة)
نتصفّح وجوهنا للتعازي،
نفترق لنعاود سيرتنا في اليوم التالي،
أتدري؟، جِمالٌ تترنّح أمام شبّاكي
وحصان يتوسّل عابراً لو يطلق رصاصة.
أتدري؟، طنين يملأ المكان
والناس يتابعون أعمالهم كالمعتاد.
ترعبني الخزانةُ المفتوحة في الليل
وعلى الطاولة كتاب عن الجنازةِ المقيمةِ أبداً.
(للجدار)
على غفلة
مِن أوّل يقظة الغريق،
قبل أن يفتح عينيه للجدار،
لأوّل عابرِ سبيل أحمالُ غربتِه.
(المساء الأخير)
لا يهمّ في أيّ ليلة حدث،
ضيّع عينيه وانحنى يفتّش بين الشوك.
الآن هو على ركبتيه يفكَّر بالآتي،
المدى عتمة، رمادُ بركان هائل
يزاوج الأرضَ والسماء
أو نفْطٌ تمطره على الأرضِ سماء،
كلُّ أحزانِ العالم مصوّبة إلى قلبه.
يفتّش بين الحصى عن أثرٍ لقدميه.
تهشّمتْ مرآتُه نثَراً وضاعَ وجهُه بين النثَر،
ما لون بشرته، شعرِه، عينيه؟،
يستشعر شجراً غريباً في داخله،
جذوراً تستقي من خوفه،
نملاً يدبّ في عروقه، بكاءً صامتاً.
الآن هو مشغول عن الأسئلةِ بمأتمه
وعن أسمائهم بالنجاة.
(اليوم)
اليوم قتيل بين فراغ ومشاجرات،
القلب يذوي على نعش صباح،
الروح تتقصّف، تبحث عن محرقة هي فيها،
الطفل عند حافّة رصيف، تغطّ فراشة
وينسلّ خيطُ دمع.
(أنظري في عينيّ)
على الوجه ابتسامة تبدو ذكية وناعمة،
ما الذي يحصل؟.
رائحة من هواء محلّة "الزيتونة" _ بيروت،
خيالاتٌ لتزاحم الناس، العتالين، سيّاراتِ "المرسيدس" _ 180،
معقول؟. والتقينا أخيراً في التيه.
تعالي لا نعتذر كثيراً
وفقط انظري في عينَيّ.
(يكفي)
يكفي أن تكوني معي
لأرمي حطب السنين كيفما اتّفق،
العالمُ غريبٌ والفتى بقوّةِ الدفع في آخِرِ العالم وفي أذنيه طنين،
يكفي أن تبتسمي، أن تخطري، لأجعل عينيّ ميّالَ شمسٍ لعينيكِ
وفمي أوبرا غناء.
(إبقي بعيداً)
تناوبي على الذاكرة مثل موجِ البحر
وابقي بعيداً في قفرِ المسافة.
كان يحلم بعينينكِ الواسعتين، فاجأهُ الليل.
الرايةُ تسقط من آخِر معقل في بياضِ قلبِه،
وإبرةُ الزمن تخيطُ تجاعيدَ وجهه.
(الإنتظار)
أتساءل عندما لا يبقى لقلبي غير ذكرى
وطفل في الطابق الثاني يبكي
ماذا يفعل البحر إذا غادر النورس
وانطفأتْ أضواءُ السفينة
ولم يعد على الشاطئ غير الرمل
وقناديل البحر الميّتة وأعشاباً سوداء؟،
اتساءل ما الذي يبقى من عينَي
إذا عطشَ الشوقُ إليها وجاءَ الإنتظار؟.
(هناك)
القابع هناك نافذة يعشب فيها النسيان،
يفكّر أنّ العالم مجنون، لا شيئ يستحقّ أن يبكيه.
(شارع كليفلند _ Cleveland St )
الشارع يغرق في العتمة،
اوراق الشجر تتراكم على الرصيف،
خطأةٌ صغار يمرّون أيضاً،
زجاجات بيرة، سجائرُ ماريجوانا،
واجهةٌ زجاجيّة تنهار.
قربَ حائط عطن ينام عجوز
وجدوا هيكلاً يشبهه عمره ستّون ألف عام
سكراناً بين الأوراق، سترةً بالية،
وبنطالاً من دون سحّاب.
(ليس غير النفط)
مِن كلِّ شيئ بعدُ ذكرى
تلوحُ وحيدة في المدى الخراب.
كلُّ هذه السنين أكاذيب أو سراب.
ركضٌ، زحفٌ، صراخٌ، ولا ماء.
النفط وحده يقول ويشاء،
ونحن في المدى الصخريّ نكتب فرماد،
ننادي فصدى، نأمل فمحال،
والنفط وحده إذا قالَ قال.
النهار رصاص ليس مثله نهار،
الدمعُ نزيفٌ من نار،
معاً نغرق في وحشتِه ونضيع في الطريق،
معاً نقصر في الحلم الذي كان،
وليس غير خيال، لم يبقَ الاّ النّفط ورمال،
تزحف الرّمال، يخنقُنا السعال.
العصافير تموت، يبكيها الشجر وندى الصباح.
يا يوم أهديتكِ وردة، كان القمر، وكانت السماء،
كان الياسمين والعطر المباح، كان المرج فسيحاً للغزلان
نطلقها من بين أصابعنا وللمطر الاتي،
لم يعد في المدى الباكي، في المدى القحط،
غير النفط يسوق الليلَ الى المراعي،
يمشي على أحلام الورد وانكسارِ الجداول.
هذا الضجيج من مركبةٍ
يُقلقُني ويزيد في معصميّ الأصفاد،
لم يبقَ على شجر روحي ورق تستظلّه، ماتت الألوان.
مَن للعاري في الزمن العاري ومن للأخضر في الزمن الموات؟،
من للقلب في زحمة الأظافر ومن للروح في هذا المدى العراء؟.
ليس غير النفط يرقص، ليس غير النفط يفرح، وليس غير النفط غناء.
الآن يقفل الفارس عائداً مِن طريق لم يعثر عليها،
مهشّم الراية، الوجه واليدين.
ما يزال يرفع ظهره رغم الدمع في عينيه وآلاف الأسئلة.
كلُّ الجهات بلاده وبيته يضيع في الجهات،
كلّ الأسماء إسمه وتلاشت الأسماء،
يخونُه صوتُه، يحتقن الغضب، لا طريق، الكلّ غريق.
هذا العالم، حدائقه، ناطحات السحاب،
هذا العالم وما يفكّر،
وليس غير النفط كتاب وليس غير النفط صواب.
(الضحيّة)
يتّكئ إلى دكّةِ عمرِه،
محاولاً أن يقرأ سطراً من ماضيه،
ماضيه الذي يرفع يداً بين ركام ليختفي،
بين أمواج ليغرق.
الشمسُ أوّلَ أمس أشرقتْ،
كان شابّاً يعبر إلى حديقة،
وكانت شاحنة
تفرّ من بركةِ دمِه.
_ "أوراق من أواخر ثمانينات القرن العشرين، صدرت عن "راليا برس" _ سيدني ـ 1992 _ بعنوان: "حصار الدائرة".
**
"لا غيرك أوّل الغيث" ـ دار الشنفرى ـ تونس 2022.
Shawkimoselmani1957@gmail.com